::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> كلمة المشرف

 

 

الجهاد الأصغر وفضل الشهادة في سبيل الله

بقلم : الشّيخ محمد خير الطرشان "المشرف العام"  

 بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم، على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللّهم افتح علينا فتوح العارفين، ووفقنا توفيق الصالحين، واشرح صدورنا، ويسّر أمورنا، ونوّر قلوبنا بنور العلم والفهم والمعرفة واليقين، واجعل ما نقوله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا برحمتك يا أرحم الراحمين.

        حديثنا عن الجهاد الأصغر، جهاد القتال في سبيل الله سبحانه وتعالى. وسأنطلق في هذا الحديث من سورة الأنفال, وسنتعرف على مفهوم مصطلح الجهاد، ثم على أحكامه، وذلك من خلال إلقاء الضوء على سورة الأنفال التي بيّنتْ قضية الجهاد بشكل واضح.

^ الجهاد لغةً:

        إذا وقفنا عند هذا المصطلح الذي غُيّب كثيراً من حياة المسلمين، سنجد أن مُطلق كلمة الجهاد في لغة العرب تعني بذل الإنسان الجهدَ والوسع والطاقة, وكل ما يملك لتحقيق غايته أو مقصده أو مأربه.

^ الجهاد اصطلاحاً:

        كلمة الجهاد في اصطلاح القرآن والسنة: تشمل الدِّينّ كلَّه، وحينئذ تتسع مساحته لتشمل الحياة كلها، بسائر مجالاتها ونواحيها.

^ مفاهيم عامة حول مصطلح الجهاد:

قال تعالى: []وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ[] سورة العنكبوت (69). الآية هنا تدل على مفهوم الجهاد في الله، أي جهاد النفس, جهاد الشهوة والهوى, جهاد الشيطان، الجهاد في مواجهة العراقيل والعوائق, الجهاد مع العدو من الكفار والمحاربين, فالمقصود هنا مطلق الجهاد في معترك الحياة. والإنسان في حياته يجاهد كثيراً، يواجه عقباتٍ كثيرة، كلها تندرج تحت إطار كلمة الجهاد بالمعنى الواسع، وبالمفهوم الكبير. ونبيّنا محمد - صلّى الله عليه وسلّم - بيّن لنا مفهوم الجهاد الشامل، فقال:"ما من نبيّ بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره, ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل". صحيح مسلم. ففي هذا الحديث يبيّن النبي - صلّى الله عليه وسلّم - أن المؤمن في حياته يتعرض لكثير من العقبات، ويواجهها، و هذه المواجهة إنما تسمى جهاداً، فقد يستطيع الإنسان أن يجاهد هذه العقبات بيده، ومنهم من يجاهدها بلسانه، ومنهم من لا يستطيع أن يجاهدها إلا بقلبه، أي أن ينكر المنكر، ويحاول بقلبه ألا يرضى بما يحصل من الأمور التي تغضب ربنا سبحانه وتعالى. فالمراد إذاً بجهاد القلب في هذا الحديث هو بغض المنافقين، وبغض حالهم, وقد سمّى النبي - صلّى الله عليه وسلّم -  فِعلَ القلب هذا جهاداً. وسمّى فعل اللسان جهاداً أيضاً كما سمّى فعل اليد - من باب أولى - جهاداً. إذاً.. فالنبي - صلّى الله عليه وسلّم - عمّم هذه المسألة؛ لكي يتشجع كل مسلم أن يجاهد في الحياة بالنوع الذي أشار إليه النبي صلّى الله عليه وسلّم.

أ- جهاد القتال في سبيل الله:

        لعل من أبرز معاني الجهاد في سبيل الله أن يتم القتال لإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى. فعندما نطلق كلمة الجهاد على القتال، فالمراد منها إعلاء كلمة الله عز وجل، ونشر الدين الإسلامي بحق؛ حتى يسود العدل في الأرض.

ب- جهاد الدعوة إلى الله عزّ وجلّ:

عندما نقرأ في القرآن الكريم قول الله سبحانه وتعالى:[]فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيراً...[] سورة الفرقان (52). المقصود هنا بقوله وجاهدهم به: القرآن الكريم, وذلك كما فسره سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه، فالجهاد الكبير هنا ليس القتال، وإنما هو الدعوة والبيان بالحجة، والبرهان، والإرشاد, ولعله من أصعب ما يبذل فيه الجهد، ومن أقسى ما يبلّغه الإنسان؛ لأن الحوار، وإظهار الحجة والبيان يحتاج إلى بذل جهد، وقدر كبير من الوسع حتى يصل الإنسان الغاية التي يريدها، وهي إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى. ولا شك أن أعظم حجة وبيان إنما هو القرآن الكريم. وربنا - تبارك وتعالى - بيّن في مواضع كثيرة أن القرآن إنما هو حجة الله على خلقه، وأنه تعالى ذكرَ فيه نبأ مَنْ قبلَنا، وخبر من بعدنا، وكلَّ شيء يمكن أن يكون، أو هو كائن إلى يوم القيامة.

جـ- جهاد المنافقين:

        يقول الله سبحانه وتعالى:[]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ...[] سورة التوبة (73). في هذه الآية أيضاً ليس المرادُ بجهاد المنافقين القتالَ؛ لأن المنافقين يُظهرون الإسلامَ، ويُبطنون الكفرَ، والنبي - صلّى الله عليه وسلّم - لم يقاتلهم، بل عاملهم حسب ظواهرهم، حتى أن من انكشف كفره منهم، كعبد الله بن أُبَيّ بن سلول، لم يقتله النبي صلّى الله عليه وسلّم؛ خشية أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، إنما المراد بجهاد المنافقين أن يكون بوسائل أخرى، ككشف أسرارهم، وكشف بواطنهم وأهدافهم الخبيثة، وتحذير المجتمع منهم.

ء- الجهاد من خلال برّ الوالدين:

        جاء عن النبي - صلّى الله عليه وسلّم - أن رجلاً قصده - عليه الصلاة والسلام - وقال: يا رسول الله! أريد الجهاد. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام:"ألك أبوان؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد". سنن أبي داود. فأنت تنال بخدمة والديك وبرهما الفضل العظيم، والأجر الكبير، ولا تزال في جهاد ما داما على قيد الحياة. وهذه نقطة مهمة, الجهاد في الحياة الاجتماعية من خلال بر الوالدين، ومن خلال إكرامهما، والسهر على مرضاتهما، وتقديم رغباتهما على رغباتنا الشخصية، وتقديم سعادتهما على سعادتنا الشخصية، لا شك أنه نوع من أنواع الجهاد، ولذلك جعله النبي - صلّى الله عليه وسلّم - مشتركاً في الثواب والأجر، كذلك المجاهد الذي يجود بنفسه مقاتلاً في سبيل الله تعالى. فتسمية رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - برَّ الوالدين ورعايتَهما جهاداً في هذا الموقف؛ إنما هو من باب الحث على برهما، ومن باب طاعتهما وإكرامهما، وتشجيعاً لكل مسلم أن يسعى إلى برهما، وأن يفوز برضاهما في حال حياتهما في هذه الدنيا.

هـ- الجهاد من خلال الأعمال الصالحة:

        هناك أمثلة كثيرة من السنة الشريفة يسمّي فيها الرسول - صلّى الله عليه وسلّم - بعضَ الأعمال الصالحة جهاداً، أو بمنزلة الجهاد، كقوله عليه الصلاة والسلام:"الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله". صحيح البخاري. فشأن الذي يسعى لخدمة الأرملة التي فقدت زوجها، أو المسكين الفقير الذي لا يجد قوت يومه, كشأن المجاهد في سبيل الله تعالى. هناك رواية أخرى لهذا الحديث يضيف إليها النبي صلّى الله عليه وسلّم أن من سعى على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وكالصائم لا يفطر، وكالقائم لا يَفتُر. فأولئك الناس الذين أسهروا ليلهم، أو اقتطعوا جزءاً من نهارهم لتفقُّد المساكين والفقراء، وإيصال المساعدات العينية والمادية إليهم، وقبل كل ذلك إشعارهم بالجانب المعنوي والروحي، وأننا نقف إلى جانبهم، لا شك أن ذلك نوع من الجهاد الذي يثاب عليه الإنسان إن شاء الله تعالى.

و- الجهاد من خلال الحج:

        يقول نبينا - عليه الصلاة والسلام - :"الحج جهادٌ والعمرة تطوع". سنن ابن ماجة. فالجهاد في الحج وصفه النبي - عليه الصلاة والسلام - بأنه جهاد لا شوكة فيه أو قتال، بمعنى أن الحج في سبيل الله تعالى يعرّض الإنسان إلى مشقات كثيرة، لا تقلّ عن المشقات التي يواجهها المجاهد في سبيل الله تعالى. أيضاً النبي - عليه الصلاة والسلام - يقول:"المجاهد من جاهد نفسه". صحيح ابن حبان. أي قمعها وسيطر على شهواتها، ولم يمنحها حريتها كما تريد.

        إذاً.. هذه مفاهيم عامة حول كلمة الجهاد، استخدمت ما بين القرآن والسنة، وهي توضح مدى اتساع دائرة الجهاد في المفهوم الإسلامي، وإنها ليست محصورة في القتال، بل هي مرتبطة بمجالات كثيرة في الحياة. وربما نظر بعضنا إلى هذا الجانب نظرة إهمال، فأراد النبي - صلّى الله عليه وسلّم - أن يلفت نظرنا إلى أهمية هذه الجوانب في حياتنا، وأن لها دوراً كبيراً في بناء شخصية المسلم.

^ الجهاد الأصغر وحُكمه:

        أيها الإخوة الأحباب! الآن نتحدث عن الجهاد بمفهوم القتال، وبمفهوم الدفاع عن الوطن، وعن العرض والمقدسات، وعن الأموال، وعن كل ما يملكه الإنسان.

أ- فرض كفاية:

        لا شك أن الجهاد فرض كفاية، إذا قام به من يكفي من المسلمين سقط الإثم عن الباقين، هذا ما يثبته كثير من الأئمة، ويعتمدون في ذلك قولَ الله سبحانه وتعالى: []وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ[] سورة التوبة (122). هذه الآية تدل على أن الجهاد فرض كفاية، فإذا ساهم فيه فئة يسقط الإثم عن الباقي.

ب- فرض عين:

        أما عندما يتعيّن الجهاد فرض عين، فذلك يكون في حالات ثلاث:

1- لقاء العدو:

        إذا حضر المسلم القتال، والْتقى الزحفان، وتقابل الجيشان، وتقاتل الصفان، صف من المشركين، وصف من المؤمنين، عندها يصبح الحكم فرض عين على كل مسلم، لقول الله سبحانه وتعالى:[]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (15) وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16)[] سورة الأنفال. ففي هذه الحالة يتعين الجهاد فرض عين على كل مسلم. فماذا نقول إذا داهمَنا العدو في بيوتنا، أو في مدننا؟ عندها لا نقول إن الجهاد هنا فرض كفاية، وهناك من يقاتل عنّا، بل وجب القتال على جميع المسلمين، وقد ذكر النبي - عليه الصلاة والسلام - في حديث مشهور أن من الموبقات السبع التولي يوم الزحف، والمراد بذلك هو ما أشرنا إليه في الآية الكريمة التي جعلت التولّي يوم الزحف نوعاً من أنواع الكبائر، لا يجوز للإنسان أن يرتكبه أبداً، هذه هي الحالة الأولى.

2- دعوة ولي الأمر المسلمينَ للجهاد:

        إذا استنفر إمامُ المسلمين الناسَ، وطلب منهم ذلك، أي عندما يعلن إمام المسلمين (رئيسهم وزعيمهم وقائدهم) النفرة والدعوة إلى قتال، فعندها يصبح الجهاد فرض عين. ليس هناك أحد يُعفى من الجهاد في سبيل الله إلا أصحاب الأعذار والأمراض، الذين لا يقوون على القتال، وعلى الصمود في المعركة.

3- مهاجمة العدو إحدى بلاد المسلمين:

        إذا حضر العدو بلداً من بلدان المسلمين، تعيّن على أهل تلك البلاد قتاله وطرده منها, ويلزم المسلمين جميعاً أن ينصروا أهل ذلك البلد إذا عجز أهله عن إخراج العدو, ويبدأ الوجوب بالأقرب فالأقرب، فالأقرب. وهذا ما يؤكده ربنا سبحانه وتعالى بقوله:[]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ[] سورة التوبة (123). فإذا دخل العدو، وداهم أرضاً أو بلداً من البلاد، فالواجب على أهلها جميعاً أن ينفروا لقتالهم، والواجب على جيرانهم من البلاد المحيطة والمجاورة أن يهبّوا لنجدتهم، حتى يطردوا العدو ويُخرجوه من هذه الأرض التي اعتدى عليها أو اغتصبها.

^ الحكمة من جهاد القتال في سبيل الله:

        لا شك أيها الإخوة أن الجهاد له حكمة عظيمة، بيّنها الله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة، منها قوله سبحانه: []وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ[] سورة الأنفال (39). إذاً.. في القتال حكمة عظيمة؛ وهي أن ننزع الفتنة من صفوف الناس، وأن يكون الدين قائماً لله سبحانه، فلا يُعبَد إلا الله، ولا يقام في الأرض حكم إلا حكم الله سبحانه وتعالى. وكذلك الآية الأخرى[]وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فلا عدوان إلا على الظالمين[] سورة البقرة (193). فلا يجوز الاعتداء إلا على من ظلَم، أو مارس الظلم والفساد في الأرض. وعلى هذا المعنى تكون الحكمة من الجهاد في سبيل الله تعالى عدة أمور، يمكن أن نلخصها في ثلاث قضايا:

أ- إعلاء كلمة الله تعالى:

        أي أن يكون الهدف والغاية من الجهاد في سبيل الله تعالى إعلاء كلمة الله تعالى، وهذا في حديث واضح عن سيدنا أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن رجلاً أعرابياً أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله! الرجل يقاتل للمَغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". صحيح مسلم.

ب- نصرة المظلومين:

        وهي واجبة. فأمر مشروع أن ننصر إخوتنا المظلومين. قال الله تعالى:[]وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا[] سورة النساء (75). فنصرة المظلومين إذاً إحدى الحِكم الأبرز التي شرعها الله سبحانه وتعالى في الجهاد.

جـ- رد العدوان وحفظ السلام:

        رد العدوان عن الأرض، عن الأماكن المقدسة، عن أموال المسلمين وأعراضهم. وحفظ الإسلام، وإقامة شرائعه وحدوده. ونحن نعلم أيها الإخوة الأحباب أن الحرب بيننا وبين عدونا الصهيوني إنما هي حرب عقيدة في الأساس، هي حرب عقائدية قبل أن تكون حرباً سياسية، وقبل أن تكون أطماعاً توسعية، وقبل أن تكون طمعاً في الثروات. هم يكرهون الإسلام، ويحقدون على المسلمين، وهذا ما تثبته السيدة صفية بنت حُيي بن أخطب رضي الله عنها - أم المؤمنين، وزوج النبي صلى الله عليه وسلم - عندما تُحدِّث عن طفولتها، وذلك لمّا دخل النبي - عليه الصلاة والسلام - المدينة. فتقول:"كنت طفلة مدللة على والدي وأعمامي، وكنت إذا دخلت مجلسهم هشّوا لي، وبشّوا في المجلس، وقدموني على غيري من الأطفال". ولما قدِم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، ذهب أبوها وعمها للقاء النبي - عليه الصلاة والسلام - من الغداة، ولم يعودوا إلى العشي، تقول السيدة صفية:"فعادا متثاقلَين، فاترَين، متكاسلين، فلما وصلا البيت ألقيتُ نفسي في أحضانهما، فلم يهَشّا لي ولم يبَشّا, أي لم يكونا كعادتهما، عندما أستقبلهما يقبلانني، ويهتمان بي، فجلست أصغي لحديثهما، فإذا عمي يقول لوالدي: أهو هو؟ قال: نعم. قال: أعرفته بصفاته ونُعوْته؟ (أي كما ورد ذكره في التوراة) قال: نعم. فقال: ماذا أنت فاعل؟ قال: لأناصبنّه العداوة إلى أن أموت". ورد هذا النص في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي سيرة السيدة صفية رضي الله عنها. وهو يؤكد أن حقد اليهود على الإسلام والمسلمين حقدٌ دفين، وأنهم يعادون الإسلام والمسلمين، وأن حربهم معنا إنما هي حرب عقائدية، أكثر منها حرباً سياسية، أو أطماعاً توسعيّة، أو غير ذلك.  يقول الله سبحانه وتعالى:[]الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ[] سورة البقرة (194). فإذا اعتدى علينا عدونا، فلا بد أن نردّ هذا العدوان، وأن ندفع عن أنفسنا الشر والأذى الذي يسببه لنا عدونا. كذلك يقول ربّنا سبحانه وتعالى:[]الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ[] سورة الحج (40). إذاً.. هكذا تتجلى الحكمة من مشروعية الجهاد في ثلاثة أمور.

^ فضل الجهاد في سبيل الله:

        أيها الإخوة الكرام! لا شك أن الجهاد في سبيل الله تعالى له فضل عظيم, وأن المجاهدين في سبيل الله تعالى لهم درجات عظيمة، وهذا الأجر الكبير بيّنه سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مواضع كثيرة. منها قوله - عليه الصلاة والسلام - في بيان درجات المجاهدين في سبيل الله:"إن في الجنة مئةَ درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة" صحيح البخاري. هذا الحديث يبيّن الدرجة العظيمة التي أعدها الله - سبحانه وتعالى - للمجاهدين، وكيف بنا إذا علمنا أن الجهاد في سبيل الله تعالى لا يعدله شيء أبداً؟ هذا ما جاء في الحديث عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه يقول:"جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: دلّني على عمل يعدل الجهاد. قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟ قال: ومن يستطيع ذلك؟!". صحيح البخاري. هنا يبيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الجهاد لا يعدله شيء أبداً، حتى الصيام والقيام، فإن درجة المجاهد أعلى من ذلك بكثير، ومنزلته عند الله أعظم.

^ فضل الشهادة في سبيل الله وأجر الشهيد:

        أيها القراء الأعزاء! هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تعالى يقع منهم الشهداء، فبعضهم يقع في جراحات كثيرة، كما كنا نقرأ في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، عن بعض المقاتلين الأبطال، فيقول أحدهم:"ما في جسمي موضعٌ إلا وفيه ضربةٌ بسيف، أو طعنةٌ برمح". ومنهم من يُستشهَد في سبيل الله. فما هو أجر الشهيد في سبيل الله؟ هل يمكن أن يكون الشهيد الذي ضحّى بروحه، وجاد بها في سبيل الله تعالى، أقلّ شأناً من غيره؟ أبداً! فقد جاء في الحديث عن المقدام بن معد يكرب عن سيدنا رسول الله قوله: "للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر, ويأمن من الفزع الأكبر، ويحلّى حلّة الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفّع في سبعين إنسانا من أقاربه". سنن ابن ماجة. إن الحور العين التي خصّ الله بها الشهداء قد ذكرها النبي - عليه الصلاة والسلام - بقوله: "لو أن امرأة من أهل الجنة اطّلعت إلى أهل الأرض، لأضاءت ما بينهما، ولملأته ريحاً، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها". صحيح البخاري. وفي ذلك تشجيع للمجاهدين في سبيل الله، وإكرامٌ للشهداء؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - أعدّ لهم في الجنة خصالاً عظيمة، ومزايا كثيرة. أيها الإخوة الأحباب! إذا كانت تجارات الدنيا منها مصنفة بين الرابح والخاسر، فإن الجهاد في سبيل الله تعالى تجارة رابحة، لا خسارة فيها أبداً، لا في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الدنيا فيبقى ذكر المجاهد مخلداً على الألسنة، يذكره الناس فيثنون عليه، وأما في الآخرة فقد أعد الله له أجراً عظيماً. يقول الله تعالى:[]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11)[] سورة الصف. وإذا جاهدوا في سبيل الله تعالى فماذا أعد لهم؟ قال:[]يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13)[] سورة الصف. فهذه عطاءات كبيرة خصّها ربنا سبحانه وتعالى للمجاهدين في سبيله. أيضاً بيّن النبي صلى الله عليه وسلم فضل الرباط في سبيل الله تعالى، الرباط على الثغور التي يمكن أن تكون منافذ للعدو، ينطلق منها إلى دار المسلمين، فيحتل أرضهم، أو يغتصب مقدساتهم. يقول عليه الصلاة والسلام في فضل الرباط: "رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأُجري عليه رزقه وأمن الفتّان". صحيح مسلم. فهذه كرامات أخرى يُعطاها المجاهد المرابط في سبيل الله تعالى، فالخيرات والطاعات التي كان يُؤديها في دنياه، تظل قائمة وجارية إلى يوم القيامة. إذاً.. إن الرباط والحراسة والجهاد في سبيل الله تعالى، أجرها أعظم الأجور عند الله. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "عينان لا تمسهما النار؛ عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله". رواه الترمذي، وقال حديث حسن. وقد بين النبي - عليه الصلاة والسلام - فضل الغدوّ والرواح في سبيل الله تعالى، فوصف الغادي والرائح في سبيل الله بقوله: "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والرَّوحة يروحها العبد في سبيل الله تعالى، أو الغَدوة، خيرٌ من الدنيا وما عليها". متفق عليه. هذه فضائل عظيمة أعدها الله - سبحانه وتعالى - للغدو والرواح في سبيله. أما من تغبرُّ قدماه في الجهاد في سبيل الله، فقد خصّه النبي - عليه الصلاة والسلام - بنعمةٍ عظيمةٍ وفوزٍ كبير، فقال: "ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسَّه النار". صحيح البخاري. فالله تعالى حفظ جسد المقاتلين المجاهدين في سبيله من دخول جهنم؛ لأنهم صفّوا أقدامهم في الجهاد في سبيل الله. وأما دماء الشهداء فإنها تأتي يوم القيامة دماءً مميزة، لها شأنها ومكانتها، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "تضمّن الله لمن خرج في سبيله، لا يُخرجه إلا جهادٌ في سبيلي، وإيمانٌ بي، وتصديقٌ برسلي، فهو ضامن أن أدخله الجنة، أو أُرجعه إلى منزله الذي خرج منه بما نال من أجر، أو غنيمة، والذي نفس محمد بيده، ما من كَلْمٍ يُكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كُلم لونه لون دمٍ، وريحه ريح مسكٍ، والذي نفس محمد بيده، لولا أن أشقّ على المسلمين، ما قعدت خِلاف سريّة تغزو في سبيل الله أبداً، ولكن لا أجد سعةً فأحملَهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده، لوددت أني أغزوَ في سبيل الله، فأُقتل، ثم أغزو، فأُقتل، ثم أغزو، فاُقتل". رواه مسلم وروى البخاري بعضه. أيها الإخوة الأحباب! والله هذا حديثُ عظيم، يشوّق المؤمن إلى الجهاد في سبيل الله، ويشجّعه أن يكون مقاتلاً، مرابطاً على الثغور، وعلى الحدود؛ لكي يفوز بهذا الأجر العظيم، ولكي يناله مِن رضا الله سبحانه تعالى ومن فضله القدر الكبير. هنيئاً لكم أيها المجاهدون في سبيل الله! هنيئاً لكم أيها المرابطون على الثغور! هنيئاً لكم يا جند الرحمن! يا من تقاتلون، لا تريدون بذلك إلا رضا الله سبحانه تعالى، والفوز بإحدى الحسنيين، إما النصر، وإما الجنة بإذن الله تعالى. أيها الشهيد! إن الله - سبحانه وتعالى - أكرمك بما لم يكرم به أحداً من الخلق، وقد خصّك بأنك لا تجد من ألم القتل شيئاً. وهذا ما بيّنه سيدنا رسول - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "الشهيد لا يجد مسّ القتل إلا كما يجد أحدكم القرصة يُقرَصُها". النَّسائي. فهذا المقاتل الذي يُقتل بالسيف، أو الذي يُفجّر بالدبابات، أو الطائرات، أو يُقصَف بالصواريخ، أو الذي تُشتت جثته أشلاءً، أو تُحرق، أو غير ذلك... فإنه لا يجد من ألم الموت شيئاً، إلا كما يجد أحدنا إذا قُرص في جسده من ألم القرصة. إنه ألمٌ يسيرٌ بسيط، وإنها خصوصية خصّها الله - سبحانه وتعالى - للشهداء، وخاصّة أنه جعلهم أحياء عند ربهم يُرزقون. وذلك كما ورد في كتاب الله تعالى:[]وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ  (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (170)[]. سورة آل عمران.

^ خاتمة:

        نسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يبلّغنا منازل الشهداء, وأن يكرمنا بشهادةٍ في سبيله, اللهم إنا نسألك عيش السعداء، وميتة الشهداء، وعيشاً غير مُخزٍ ولا فاضح. أيها الإخوة القراء! يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى، فإنه بابٌ من أبواب الجنة، يذهب الله به الهمّ والغمّ". مسند أحمد. ونختم هذا الحديث بحديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سأل الله تعالى الشهادة بصدق، بلّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه". صحيح مسلم. اللهم اكتب لنا أجر الشهداء، اللهم إنا نسألك الشهادة في سبيلك, اللهم بلّغنا منازل الشهداء، وارحم شهداءنا الأبرار، برحمتك يا أرحم الراحمين. والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 

 التعليقات: 1

 مرات القراءة: 3009

 تاريخ النشر: 27/04/2009

2009-05-04

محيي الدين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الجهاد ما أعظمها من كلمة في الدنيا وفي الآخرة ولكن يا شيخي العزيز إن في القلب لحرقة فنحن نعلم ومن دون تفصيل أن النية وراء القصد ومن كانت نيته خالصة لوجه الله فقد وصل الى بر الأمان ياسيدي المسلمون اليوم متفرقون فالعجم والعرب مختلفون وحرمات المسلمين تنتهك من بعضهم البعض قساة على بعضهم وخاصة في المصالح الدنويية ... انتشرت الفوضى الدينية والفتاوى العجيبة وابتعدنا عن المقصود .

 

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب

 452

: - عدد زوار اليوم

5356758

: - عدد الزوار الكلي
[ 69 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan