::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> كلمة المشرف

 

 

كن ربانياًً .. ولا تكن رمضانياًً

بقلم : الشّيخ محمد خير الطرشان "المشرف العام"  

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللّهم افتح علينا فتوح العارفين، ووفقنا توفيق الصالحين، واشرح صدورنا، ويسّر أمورنا، ونوّر قلوبنا بنور العلم والفهم والمعرفة واليقين، واجعل ما نقوله حجة لنا، ولا تجعله حجة علينا برحمتك يا أرحم الراحمين.

        أيها الإخوة القراء! كل عام وأنتم بخير، وتقبل الله صيامنا وصيامكم، وأعمالنا وأعمالكم.

^ الثبات على العبادات بعد رمضان:

أ- تذكير:

ها هو شهر رمضان قد انتهى، ولعل من المفيد أن نتكلم عن الثبات على العبادة بعد شهر رمضان، أو بمفهوم آخر "كن ربانياً .. ولا تكن رمضانياً". فالواقع أننا بحاجة إلى من يذكّرنا بالثبات على العمل الصالح الذي شرَعناه في رمضان بأنواعه كلها، سواء منها قيام الليل، أو قراءة القرآن، أو الدعاء، أو الاستغفار، أو الإحسان إلى أصحاب الحاجة، فهذه الأعمال الصالحة البارة التي قمنا بها في شهر رمضان تحتاج منا إلى ثبات ومواظبة على فعلها، ولو أننا ثبتنا على جزء يسير منها فإن في ذلك الخير والبركة إن شاء الله تعالى.

ب- الحض على الاستقامة والثبات على الأعمال الصالحة:

كان من شأن النبي - عليه الصلاة والسلام - المداومة على أعماله كما تروي السيدة عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  إذا عمل عملاًَ عملاً أثبته". صحيح مسلم. أي داوم وحافظ عليه، فلم يتركه أبداً، وهذا الأمر تكرر كثيراً في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وفي توجيهِهِ أصحابَه. من ذلك مثلاً رجل يُقال له "أبو عَمرة (سفيان بن عبد الله الثقفي)"، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له طالباً الوصية: "قل لي قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك. قال: قل آمنت بالله، ثم استقم". صحيح ابن حبان. أي اثبت على إيمانك، وعلى طريق الإقبال على الله، والاستغفار، وقيام الليل، والإحسان، والعمل الصالح بأنواعه، سواء كان قراءة للقرآن، تدبراً، صلاة، قياماًَ سجوداً، أذكاراً... أيّ نوع من أنواع العبادة والعمل الصالح الذي بدأته في شهر رمضان، واثبت عليه فيما بعد رمضان، فبعد الإيمان بالله أن تثبت وتستقيم على الطاعة والأمر المحمود، وهو خير الأمور التي يقوم بها الإنسان. وهذا الكلام هو مصداق قول الله سبحانه وتعالى:[]إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ[] سورة فصلت (30). هذه الآية لها وَقْعٌ كبير، فليس أمراً سهلاً أن نستقيم على طاعة الله سبحانه وتعالى، ولا نغير ولا نبدل ولا نفرط في حق الله، الاستقامة على شرع الله أمر عظيم وجوهري من أصول الدين.

مرة قرأ سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - هذه الآية على المنبر أثناء إحدى الخطب، ثم قال: "استقاموا: أي على منهج الله، فلم يروغوا روغان الثعالب". الثعلب حيوان ماكر من فصيلة الحيوانات المفترسة، وهو أكثرها على الإطلاق مراوغة، فالإنسان الذي يراوغ في حياته، فيكون يوماً مع الصالحين الطائعين، ويوماً مع الفاسدين، العصاة، المعرضين عن الله سبحانه وتعالى، يوماً في المسجد، ويوماً في أماكن اللهو، يوماً يقرأ القرآن، ويوماً آخر في أماكن الفجور. هذا الإنسان شبهه سيدنا عمر - رضي الله عنه - بالثعلب. يقول الشاعر:

يُعطيكَ من طرفِ اللسانِ حلاوةً     ويروغُ عنك كما يروغُ  الثعلبُ

هناك بعض الناس من يرواغ في إيمانه وعلاقاته مع الناس، وفي طاعته لله سبحانه وتعالى، لذلك أمرنا الله بالاستقامة فقال:[]فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ...[] سورة هود (112). وقد ورد عن النبي - عليه الصلاة والسلام - قوله: "شيّبتني هودٌ وأخواتها. فقيل له: يا رسول الله! وماذا في هود؟ فقال: شيّبني من هود قول الله: فاستقم كما أُمرت". هذه الجملة لعظم شأنها جعلت من رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمتلئ شيباً، ونحن اليوم نمرّ على كلمة الاستقامة فلا نجد لها أي مدلول في حياتنا! حتى أن هناك محلات تسمى بهذا الاسم "الاستقامة"، لكنك عندما تدخل لهذه المحلات لا ترى استقامة أو معاملة صحيحة، فتجد إخلافاً في الوعد، وغِشّاً، وربحاً فاحشاً، وبضاعة فاسدة، وأنواعاً من الخلل في التعامل والعهود والمواثيق، لذلك ربنا - سبحانه وتعالى - لما نظر إلى ضعفنا، ورأى منا هذه الحالة من التردد والبعد عن الالتزام بشرعه القويم أمرنا بأن نلتزم من الأعمال ما نطيق، أي أن نثبت على عمل صالح.

نحن في شهر رمضان نصلي التراويح عشرين ركعة، وبعد انتهائه ننقطع عن صلاة النافلة، حتى السنن الرواتب ربما تركناها إهمالاً، وتضييعاً، وتقصيراً في حقها. فإذا حافظنا على السنن الرواتب بعد شهر رمضان فهذا أمر جيد، فكيف إذا حافظنا على أربع ركعات من قيام الليل بعد صلاة العشاء؟ وكيف إذا حافظنا على ركعتين قبل صلاة الفجر؟ وكيف إذا حافظنا على صلاة الجماعة بشكل مستمر ودائم؟ إذاً علينا أن ننتبه جيداً على ما يريد منا نبينا - عليه الصلاة والسلام - من مداومة على العمل ولو كان قليلاً، أي أن نحرص على الاستمرار في الطاعة التي بدأناها في رمضان.

وفي شهر رمضان نجد بعض المؤمنين يقرأ عدة ختمات من القرآن الكريم، ختمة في صلاة التراويح، وأخرى في صلاة التهجد، وثالثة في قيام الليل.... وبعد رمضان يمضي عليه شهر كامل ولا يفتح القرآن إلا يوم الجمعة، ويقرأ لمدة عشر دقائق قبل صلاة الجمعة، فهذا تفريط في حق الله، وفي حق القرآن الكريم، وهكذا سائر الأعمال، في شهر رمضان نبادر إلى الصدقة، ونكثر من إنفاق المال في سبيل الله تعالى، فإذا انقضى رمضان تنقطع هذه الأعمال، فلا إنفاق للأموال، ولا تذكّر لأحوال الفقراء، والمحتاجين، والمساكين، بل علينا أن نثبت على هذه الأنواع من الطاعات التي شرعنا بها؛ حتى تزداد صلتنا بالله سبحانه وتعالى.

^ لا تكونوا كالتي نقضت غزلها:

هناك مثل عظيم ضربه الله - سبحانه وتعالى - في القرآن الكريم بقوله:[]وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا...[] سورة النحل (92). هذا مثل رائع ذكر لنا الله - سبحانه وتعالى - فيه قصة عجوز كانت في مكة تغزل الصوف في أول النهار، حتى إذا أوشكت على إتمام غزلها آخر النهار نقضت هذا الغزل وأفسدته، ثم أعادت الغزل والنقض مرة ثانية في اليوم الثاني، وهكذا في اليوم الثالث... وكان شأنها على الدوام أن تغزل في بياض النهار، وتفسد ما غزلت في آخره، والله - سبحانه وتعالى - حذّرنا من خلال هذه الآية أن نتشبّه بصنيع هذه المرأة، وذلك بأن نفسد أعمالنا الصالحة بأعمال سيئة تنقضها، وتذهب بركتها، وتفسد خيريتها، إذاً لا يجوز أن نعود إلى ما كنا عليه سابقاً من تقصير، لذلك قال العلماء: "من علامات العمل المقبول في رمضان أن يحافظ المؤمن على ما بدأه في رمضان لما بعد رمضان". فعلينا أن نحرص على الثبات على هذا العمل، والاستمرار فيه.

هذه القصة لها أكثر من رواية ذكرها المفسرون في كتبهم، منها رواية سيدنا عطاء بن أبي رباح حيث قال: "قال لي عبد الله بن عباس‏:‏ يا عطاء! ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟‏ فأراني امرأة حبشية صفراء، ثم قال‏:‏ ‏"‏هذه أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت‏:‏ يا رسول الله! إن بي هذه المَوتة - وأشارت إلى دماغها، وموت الدماغ نو من أنواع الجنون، وفقد العقل والسيطرة على الإدراك - فادعُ الله أن يعافيني‏.‏ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: "إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئتِ دعوتُ الله أن يعافيك". متفق عليه. فاختارت الصبر والجنة". وهذا الاختيار لا يكون من إنسانة مجنونة، فهي اختارات لنفسها الخير؛ حيث اختارت آخرتها، وضحكت على دنياها. قال عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - لسيدنا عطاء: "كانت هذه المرأة تجمع الشَّعر والليف، وتنسجهما مع بعضهما في أول النهار، ثم إذا جاء الليل نقضت ما كانت تغزل". فأنزل الله - سبحانه وتعالى - في حقها:[]وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا...[] سورة النحل (92). يعني بعد أن جعلت هذا الغزل متماسكاً قوياً تعود في آخر النهار لتفكه وتفسده، فينبغي على المؤمن ألا ينقض عمله بعمل سيئ يفسده، وعليه أن يثبت على عمله، ويحافظ ويداوم عليه.

ب- عليكم من الأعمال ما تطيقون:

لقد أمرنا النبي - عليه الصلاة والسلام - أن نأخذ من الأعمال ما نطيق كما جاء في الحديث عن السيدة عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يا أيها الناس! عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحبّ الأعمال إلى الله ما دُوْوِم عليه وإن قلّ". صحيح مسلم. فكل من يقدّم عملاً صالحاً سيجد نتيجته في صحيفة أعماله، والله - سبحانه وتعالى - قد وَكّل بكل مخلوق مَلَكين يكتبان له أعماله الصالحة وغير الصالحة، فالله لا يمل من أعمالنا، بل إن من يمل وتضعف همته هو الإنسان، لذلك بيّن لنا النبي - عليه الصلاة والسلام - أن أحبّ الأعمال إلى الله ما ثبت عليه المسلم وإن كان قليلاً، فليست العبرة بحجم العمل، وعظمه، إنما العبرة بالثبات على هذا العمل ولو كان يسيراً. سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسيلم - حينما قال: "ركعتان في جوف الليل خير من الدنيا وما فيها". أراد بذلك أن نواظب عليهما، ولو أنه لم يرد هذا المعنى لكان نَدَبَنا إلى عشر ركعات وأكثر، لكنه أراد منا عملاً نستطيع أن نواظب ونحافظ عليه، فقال: "ركعتان" فقط، ولم يزد على ذلك؛ حتى لا يُثقِل علينا.

سُئلت السيدة عائشة - رضي الله تعالى عنها - كيف كان عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: "كان عمله ديمة، وأيكم يستطيع ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستطيع؟". صحيح مسلم. حقاً من منا مثل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهمته العالية، وإقباله على الله سبحانه وتعالى، وطاعاته التي كان يتقرب بها إلى الله؟؟ ولم يكن يجد تعباً، ولا مللاً، ولا نوعاً من أنواع الجفاء أو الوحشة في قلبه، بل كان دائم الصلة مع الله سبحانه وتعالى، لذلك حضنا النبي - عليه الصلاة والسلام - أن نَكْلَف من الأعمال ما نطيق.

دخل النبي - عليه الصلاة والسلام - يوماً إلى المسجد، فوجد حبلاً مربوطاً بين ساريتين من سواري المسجد، فقال: لمن هذا الحبل؟ قالوا: هو للسيدة زينب رضي الله عنها، كانت تصلي من الليل، فإذا تعبت اتّكأت عليه، فقال عليه الصلاة والسلام: "ليصلِّ أحدكم نشاطَه، فإذا فتر فليرقد". صحيح مسلم. فعلى المسلم ألا يتعب نفسه، وألا يشدّد عليها، فليتوقف عن الطاعة والعبادة بمجرد شعوره بالتعب والإعياء، وليعطِ نفسه حقها، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: "فإن لجسدك عليك حقا". متفق عليه. هذا الحق ينبغي أن نأخذه بشكل دقيق. وقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقسم ليله ثلاثة أقسام: قسماً لأهله وعياله، وقسماً لجسده وراحته، وقسماً يخلو فيه مع ربه، فلو أننا جعلنا وقتنا مقسماً على هذا الشكل اقتداء بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما وجدنا تعباً، أو مللاً، أو تراخياً في الطاعة والعبادة.

^ وسائل الثبات على العبادة والطاعات:

هناك أنواع من الطاعات يمكن أن نثبت عليها بعد رمضان، ونكون بذلك ممن ذكر الله سبحانه وتعالى استقامتهم بقوله:[]إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ...[] سورة فصلت (30). أي ممن تحفُّهم الملائكة برحماتها وخيراتها، وممن كانوا في أمن الله ورعايته، وهذه الوسائل هي:

أ- المحافظة على تلاوة القرآن الكريم مع التدبر والتفكر والترتيل والتفسير:

يقول تعالى:[]وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا[] سورة الفرقان (32). بعض الناس يقرأ القرآن قراءة غير منضبطة دون ترتيل، ودون الوقوف عند أحكامه، فهناك أحكام للتجويد، وأحكام للتلاوة، وهناك مواضع للوقف، وآيات فيها سجود، وآيات فيها دعوة للنظر والتأمل، من ذلك قوله تعالى:[]أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا[] سورة محمد (24). وقوله: []...أَفَلَا يَعْقِلُونَ[] سورة يــس (68). وقوله[]قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا...[] سورة النمل (69). هذه الآيات تحتاج إلى وقفات من التأمل والتدبر، وأن يقف المؤمن عندها، فينظر ماذا فيها من أمر ونهي، فيجتنب النواهي، ويأتمر بالأوامر، ويتفكر فيما أمر الله - سبحانه وتعالى - بالتفكر به.

وهناك بعض الآيات القرآنية تحتاج إلى شرح وتفسير، فينبغي أن نتوقف عن القراءة، ونفتح كتاب التفسير، فنقرأ الآية ومعناها، وسبب نزولها، وما يستنتج منها من أخلاق وأحكام، وما فيها من فقه وآداب، وهذا ما نجده مبثوثاً في كتب التفسير. فإذا ثبت هذا المعنى في القلب أثّر في صلاحه، ونحن نعلم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". متفق عليه. إذاً فتلاوة القرآن الكريم مع التدبر، والتفكر، والتفسير، والترتيل، والتجويد تؤدي إلى صلاح القلب وصلته بالله سبحانه وتعالى.

ب- المواظبة على الأخلاق الفاضلة:

فالأخلاق الحسنة التي تدربنا عليها في شهر رمضان الذي هو شهر الصبر، والحلم، والعفو، والكرم، والجود، والسخاء، والإحسان، والمغفرة، هذه الأخلاق تعودناها في شهر رمضان علينا المحافظة عليها. والله سبحانه وتعالى يقول:[]...وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا[] سورة النساء (66). فما وجدناه من دروس عملية في رمضان لو أننا حافظنا عليها، فكان عفونا دائماً، وحِلمنا مستمراً، وكرمنا وعطاؤنا بلا حدود كما كانت عليه حال النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلا شك أن ذلك سيزيد من ثباتنا على الإيمان، ومن قربنا إلى الله سبحانه وتعالى.

يُروى أن امرأة كانت تأتي على السيدة عائشة رضي الله عنها، وتذكر من عملها واجتهادها الشيء الكثير، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إن أحب الأعمال إلى الله ما دُووِم عليه وإن قل". صحيح مسلم. فالنبي عليه الصلاة والسلام يعلم كسلنا وفتور هممنا، ويعلم أننا لا نطيق الاستمرار على ما كنا عليه من عبادات وطاعات في شهر رمضان، لذلك أراد منا أن نحافظ ونواظب على عمل ثابت.

جـ- تدبر قصص القرآن الكريم:

        وقصص الأنبياء، وسير الصحابة والصالحين. يقول تعالى:[]وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ...[] سورة هود (120). فهذه القصص التي نقرؤها في القرآن الكريم فيها من المواعظ ما يقرب المؤمن من الله سبحانه وتعالى، ويزيد إيمانه وثقته بالله. فحين يقرأ أحدنا القرآن الكريم فإنه يمر عليه مرور الكرام، فلا يتأثر بقصة سيدنا آدم، أو سيدنا موسى، أو سيدنا شعيب، أو سيدنا عيسى، أو لقمان الحكيم، ولا بالآيات التي جاءت في حق سيدنا أبي بكر، أو سيدنا عمر رضي الله عنهما. والذي يقرأ القرآن بلا تدبر وتفكر يكون كمن يمر عليه مرور الكرام. فلا بد من التدبر، والتفكر، والتأثر، والانتفاع بقصص القرآن الكريم، وما فيه من سير وأخبار الصالحين والأمم السابقة.

ء- الثبات على الدعاء والذكر:

        وهما من أوسع وأقرب وسائل التثبيت على العبادة. يقول سيدنا أنس بن مالك رضي الله - تعالى - عنه: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. فقلت: يا رسول الله! آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: نعم. إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء". سنن الترمذي. وهنا المراد بأصابع الله أصابع أعلم بحقيقتها، فالله - تعالى - ليس متّصفاً، ولا تحيط به جهة ولا مكان. فمثلاً في قوله تعالى:[]...يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ...[] سورة الفتح (10). بعض العلماء قال: يد الله هي قدرته، وبعضهم قال: هي عظمته، فهذا الأمر نفوضه لله سبحانه وتعالى ونقول: يدٌ هو أعلم بحقيقتها، فالله - سبحانه وتعالى - جلّ عن المثيل، والشبيه، والنظير، والوالد، والولد، والزوجة، وعن أن يشابه المخلوقات في شيء من ذلك. إذاً فالله يقلب القلوب بين يديه كيف يشاء، فلنكثر من سؤال الله - تعالى - أن يثبّت قلوبنا على الدين، والإيمان، والطاعة، وأن يكرمنا بالاستقامة على شرعه.

        وكان من حال النبي - عليه الصلاة والسلام - الذي غفر له الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر أنه دائماً يسأل الله التثبيت، فكيف بحالي وحالكم؟! ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.

هـ- صحبة الصالحين:

        ولزوم الجماعة وصحبة أهل الله، ففي مصاحبتهم ومجالستهم ما يذكّر بالله سبحانه وتعالى. يقول تعالى:[]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ[] سورة التوبة (119). خرج بذلك من لم يكن على استقامة، المعروف بالكذب، والفحش بالقول، وبالرياء، والعجب، والكِبْر، والحقد، والحسد، وعدم حب الخير للناس. فهؤلاء لا تصح صحبتهم بحال بل على الإنسان أن يتهرب من صحبة من يتصف بهذه الصفات التي سماها بعض أهل الله "أمراض القلوب". هذه الأمراض لا تكون في عباد الله الصالحين، لذلك علينا ألا نصحب إلا الصالح من عباد الله، والذي يقرّبنا من الله سبحانه وتعالى، كما ورد في الحديث: "لا تصحبْ إلا مؤمناً، ولا يأكلْ طعامَك إلا تقي". صحيح ابن حبان. فالمؤمن يحثّك على الخير، ويذكرك بالله سبحانه وتعالى، والتقي يزيدك تقوى وحباً لله تعالى. ورحم الله الإمام ابن عطاء الله السكندري الذي يقول في حِكَمِه: "لا تصحبْ إلا من ينهضك حاله، ويدلك على الله مقاله". فإذا رأيت الصالحين، واستقامتهم على شرع الله، ائتمارهم بالأوامر، واجتنابهم للنواهي اقتديت بهم، فزادوك إيماناً وثباتاً على الحق، فقولهم يذكرك بالله، ولا تسمعُ منه إلا كلاماً طيباً، أو ذكراً، أو دعاء، أو صلاة على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 و- ملازمة المساجد:

        فالمساجد لا يرتادها ويواظب عليها إلا الصالحون، أولئك الرجال الذين أثنى الله - تعالى - عليهم في القرآن الكريم بقوله:[]رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ[] سورة النور (37). فأهل المساجد هم من القوم الذين واظبوا على طاعة الله سبحانه وتعالى، فحينما نلزم المسجد، ونحرص على صلاة الجماعة، ونلتقي مع الصالحين من عباد الله الذين تنورت وجوههم بطاعته فإننا نزداد ثباتاً على طاعة الله سبحانه وتعالى. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط". صحيح مسلم. فالنبي - عليه الصلاة والسلام - شبّه هذا الأمر بالجهاد والمرابطة في سبيل الله سبحانه وتعالى. فالمحافظ على الصلوات في المساجد مجاهد؛ فهو يجاهد نفسه وهواه، وشيطانه، وينتصر على ذاته التي تحب الركون إلى الدَّعة والراحة، وتحب النوم والكسل.

ز- حسن الظن بالله تعالى والثقة به:

        فإذا أحسنا الظن بالله - تعالى - فإنه يكافئنا، ويثبتنا على طاعاتنا، وعبادتنا، وإيماننا إكراماً لحسن الظن به. يقول تعالى:[]...هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)[] سورة الأحزاب. فمن يحسن الظن بالله، ويحسن الثقة به يقبل النصيحة، ويستمع إلى الوصايا ويتبع كل ما يأتيه من مواعظ من هنا وهناك، خاصة إذا صدرت هذه المواعظ من لسان صادق، أمين، محب، خاشع، يتقي الله تعالى.

^ دعاء:

أسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وممن يحافظون ويواظبون على العبادة بعد شهر رمضان كما كانوا عليه فيه. اللهم تقبّل منا أعمالنا الصالحة، وأصلح فساد قلوبنا، واجعلنا من عبادك الأولياء الصالحين. اللهم تقبل منا صلاتنا وصيامنا، وركوعنا وسجودنا، وأذكارنا وتلاوتنا، ولا تضرب بذلك وجوهنا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

وتقبل الله منا ومنكم

وكل عام وأنتم بخير

 التعليقات: 3

 مرات القراءة: 2626

 تاريخ النشر: 19/09/2009

2009-09-21

بنان الحرش

السلام عليكم ورحمة الله .. وكل عام وموقع رسالتي والقائمين عليه ووشيخنا الفاضل محمد خير بألف خير. عندما قرأت عنوان المقال تذكرت للوهلة الأولى موقف سيدنا الصديق رضي الله عنه عندما انتقل نبي الرحمة إلى جوار ربه وطما الخطب على بعض الصحابة، حتى انهم لم يصدقوا الأمر، فأنطق الله لسانه قائلاً : (من كان يعبد محمدا صلى الله عليه وسلم فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ) . وكذا الأمر في رمضان :من كان يعبد رمضان فإن رمضان قد فات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي موجود . جزى الله شيخنا الفاضل على هذه التذكرة المهمة التي تصورلنا رمضان على أنه ليس إلا دورة تدريبية لسلك طريق الاستقامة والتعود على الأخلاق الحميدة لتصبح منهاج كل مسلم باقي أيام عامه ، ومن ثم العام المقبل نبحث عما افتقدناه سابقاً من عبادات وتقرب إلى الله لنكتنزه في رمضان الآتي وهكذا... في كل عام حتى يقبضنا الله إليه ونحن من المقربين المقبولين بإذن الله "فمن لم يكن في زيادة فهو في نقصان". أسأل الله أن يتقبل منا أعمالنا ، وأن يبعدنا عن ذل المعصية بعد عز الطاعة وأن يقبضنا وهو راضٍ عنا .

 
2009-09-20

رانيا

نشكر الشيخ على الموضوع كن ربانياًً .. ولا تكن رمضانياًً وأوقفتني الآية الكريمة بقوله تعالى(( ولا تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا..)) هذه الآية تحتاج إلى التفكر والتأمل فالمسلم بعد قيامه بالأعمال الصالحة والطاعات يفسد عمله بالقول أو الفعل أو الغيبة و النميمة.... لا يلقي إليها بالاً ، آية تخيف حقاً نسأل الله الثبات والقبول . وكل عام وأنتم بألف خيرَ

 
2009-09-20

نور

عبــــــــــــارة أكثر من رائعة : " كن ربانياً ولا تــــــــــــــــكن رمضانياً " أشكر لكم حسن الاختيار والعرض المتسلسل... أعاننا الله على الثبات بعد رمضان...وكل أيام العام... وكل عام والموقع _ إدارةً وأعضاءً _ بألف خير... واعاده الله على الجميع أعواماً عديدة وأزمنة مديدة..

 

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب

 385

: - عدد زوار اليوم

5356691

: - عدد الزوار الكلي
[ 71 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan